ابن عجيبة

218

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قال أبو سليمان الداراني : إذا اعتادت النفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت ، ثم عادت إلى صاحبها بطرائف العلوم ، من غير أن يؤدّى إليها عالم علما . ه . قال الحق تعالى : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ بدنس الهفوات ، فمنعكم من مباشرة تلك العلوم الوهبيات ، فلما عقدتم التوبة ، وعزمتم على تركها ، تاب عليكم وعفا عنكم ، فالآن باشروها ، وابتغوا ما كتب اللّه لكم ، من الوصول إلى معرفته ، والعكوف في حضرة قدسه ، وكلوا من ثمرات تلك العلوم ، واشربوا من خمرة الحىّ القيوم ، حتى يطلع عليكم فجر الكشف والبيان ، وتشرق على قلوبكم شمس نهار العرفان ، فحينئذ تضمحلّ تلك العلوم ، وتمحى تلك المعالم والرسوم . ولم يبق إلا الاستغراق في مشاهدة الحي القيوم ، فلا تباشروها وأنتم عاكفون في تلك المساجد . فمشاهدة وجه الحبيب تغنى عن مطالعة المعالم والمشاهد . تلك حدود اللّه فلا تقربوها ، أي : لا تقفوا مع تلك العلوم وحلاوة تلك الرسوم ؛ فإنها تمنعكم من مشاهدة الحىّ القيوم . كذلك يبين اللّه آياته الموضّحة لطريق وصوله للناس ، لعلهم يتقون مشاهدة ما سواه . واللّه تعالى أعلم . ولما أراد الحق أن يتكلم على الحج قدّم الكلام على الأموال ؛ لأنها سبب في وجوبه ، والوصول إليه في الغالب ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 188 ] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 188 ) قلت : أصل الإدلاء : إرسال الدّلو في الماء ليتوصل به إلى أخذ الماء من البئر ، ثم أطلق في كل ما يتوسل به إلى شئ ، يقال : أدلى بماله إلى الحكام ، أي : دفعه رشوة ، ليتوصل بذلك إلى أخذ أكثر منه ، وهو المراد هنا ، وفي القاموس : أدلى برحمه : توسّل ، وبحجّته : أحضرها ، وإليه بماله : دفعه . ومنه : ( وتدلوا بها إلى الحكام ) . ه . و ( تدلوا ) معطوف على ( تأكلوا ) ، منهى عنهما معا . يقول الحق جل جلاله : وَلا تَأْكُلُوا يا معشر المسلمين أَمْوالَكُمْ أي : أموال بعضكم بعضا ، بِالْباطِلِ أي : بغير حق شرعي ؛ إما بغير حق أصلا كالغصب والسرقة والخيانة والخدع والتطفيف والغش وغير ذلك . أو بحق باطل كما يؤخذ في السحر والكهانة والفأل والقمار والجاه ، وهدية المديان « 1 » ، وهدية القرض ، والضمان ،

--> ( 1 ) رجل مديان : إذا كان عادته أن يأخذ بالدين .